الإدمان: كيف يتعلم الشخص التأقلم مع الحياة
كل شيء لا يبدأ بالاعتمادية
لا يولد الناس بالغين. إنهم يتعلمون تدريجياً فهم أنفسهم، والتعرف على مشاعرهم، وتحمل خيبات الأمل، والتعامل مع القلق، وبناء العلاقات، والنجاة من المواقف الخارجة عن سيطرتهم.
مع تقدمنا في العمر، نطور آليات دفاعية نفسية وطرقًا للتعامل مع الواقع. يتعلم البعض التحدث عن مشاعرهم، بينما يكبتها آخرون، وينغمس البعض في العمل، ويحاول آخرون السيطرة على كل ما يحيط بهم.
جميعنا نبحث عن طرق لجعل حياتنا أكثر وضوحاً وهدوءاً وأماناً. وهذه الطرق، في حد ذاتها، ليست هي المشكلة.
تبدأ المشكلة عندما يصبح أحدهم عملياً الشخص الوحيد.
عندما يصبح الأمر أسهل
لنتخيل شاباً يعاني من صعوبة في التفاعلات الاجتماعية. يجد صعوبة في تكوين صداقات جديدة، والمبادرة، والشعور بالراحة في التجمعات. إنه خجول، قلق، ومتخوف باستمرار من مظهره أمام الآخرين.
وفي أحد الأيام جرب الكحول.
يخف التوتر. يصبح التعرف على أشخاص جدد أسهل، وتصبح المحادثات أبسط، ويبدو أن قيوده الشخصية تتلاشى. يشعر بمزيد من الاسترخاء، ومزيد من الثقة، ومزيد من الحرية.
وهنا قد تظهر علاقة مهمة: فالكحول لا يجلب المتعة فحسب، بل يساعدنا أيضاً على التأقلم مع الأمور التي كانت تبدو صعبة في السابق.
علاوة على ذلك، لا ينظر الشخص إلى الأمر بالضرورة بهذه الطريقة. فقد يعتقد أنه يستمتع ببساطة بقضاء وقت ممتع، والاسترخاء مع الأصدقاء، أو الترويح عن النفس بعد العمل.
يُعتبر الكحول مقبولاً اجتماعياً في العديد من المواقف: الاجتماعات، والاحتفالات، والمواعدة، والفعاليات المؤسسية. ولا يقتصر الأمر على تقبّل الناس لاستخدامه، بل إنه يوفر أحياناً وسيلة للاسترخاء.
تدريجياً، يعتاد الشخص على اللجوء إليه في ظروف معينة. في البداية، ربما فقط في الحفلات. ثم بعد يوم شاق. لاحقاً، كلما شعر بالقلق أو الوحدة أو الملل أو صعوبة في التأقلم.
هكذا تتشكل طريقة اعتيادية لتنظيم حالة المرء.
الإدمان ليس دائماً محاولة لتخدير الألم.
من المقبول عموماً أن الشخص يصبح مدمناً لأنه مر بتجربة مروعة: فقدان، أو إساءة معاملة، أو طفولة صعبة، أو صدمة عاطفية.
أحيانًا يكون هذا صحيحًا. لكن الإدمان لا يبدأ دائمًا بمأساة كبيرة.
أحيانًا لا يستطيع المرء الاسترخاء دون مادة معينة. لا يعرف كيف يتعرف على أناس جدد ويتواصل اجتماعيًا دون الكحول. لا يطيق الملل دون تدفق مستمر من المعلومات. لا يستطيع التغلب على الوحدة دون وجود شخص آخر.
وأحيانًا لا يلاحظ أنه لم يحصل على قسط من الراحة لفترة طويلة، بل يهرب من نفسه إلى العمل أو الرياضة أو التسوق أو الانشغال الذي لا ينتهي.
لا تكمن الفكرة في الفعل نفسه، بل في الوظيفة التي يبدأ في أدائها.
إذا لجأ الشخص مرارًا وتكرارًا إلى نفس الأسلوب لأنه يجد صعوبة في التأقلم بطرق أخرى، فقد يصبح هذا الأسلوب تدريجيًا ذا أهمية متزايدة. علاوة على ذلك، للإدمان الكيميائي آليات بيولوجية أيضًا: فالتغيرات في أنظمة المكافأة، وتطور التحمل، وأعراض الانسحاب، كلها عوامل قد تدعم التعاطي.
لكل شخص طريقته الخاصة في التأقلم
يمكن القول إننا جميعاً، بدرجات متفاوتة، نعتمد على الطرق المعتادة لتجربة المتعة، أو تقليل التوتر، أو استعادة الشعور بالسيطرة.
يجد بعض الناس صعوبة في تخيل الحياة بدون عمل. ويتفقّد البعض هواتفهم باستمرار. ويلجأ آخرون إلى الطعام أو التسوق أو الرياضة أو الجنس أو العلاقات، فيصبحون منغمسين فيها لدرجة أنهم يغفلون عن احتياجاتهم الخاصة.
لكن من المهم التمييز بين العادة، والهيام الشديد، والإدمان السريري. فليس كل إدمان مدمراً، وليس كل سلوك متكرر اضطراباً.
السؤال هو: ما مدى حرية الشخص في اختياره؟ هل يستطيع التوقف؟ ماذا يحدث عندما تصبح الطريقة المعتادة غير متاحة؟ هل يستمر الأمر رغم العواقب الوخيمة على الصحة والعلاقات وحياة الشخص نفسه؟
والأهم من ذلك، هل لا يزال لديه طرق أخرى للتعامل مع الواقع؟
لماذا لا يكفي مجرد الرفض
إذا ساعدت مادة معينة أو سلوك معين شخصًا ما على الاسترخاء، أو إدارة القلق، أو الشعور بمزيد من الثقة، أو التكيف مع الشعور بالوحدة لسنوات، فإن مجرد التوقف عن تعاطيها لا يحل دائمًا المشكلة الأساسية.
قد يتوقف الشخص عن شرب الكحول، لكنه لا يزال يجد صعوبة في السيطرة على مشاعره. وقد يتخلى عن عادة مدمرة، لكنه يستبدلها تدريجياً بأخرى.
لذا، فإن التعامل مع الإدمان لا يقتصر على مجرد التوقف عن التعاطي أو تغيير السلوك، بل هو أيضاً عملية تطوير أساليب حياة جديدة: إدراك المشاعر، وتحمّل الضغوط، وبناء العلاقات، وطلب الدعم، والتعامل مع المواقف الخارجة عن السيطرة.
الإدمان لا يجعل الشخص ضعيفاً، ولكنه قد يسلبه تدريجياً حرية الاختيار.
إن الهدف من العمل مع الإدمان ليس مجرد إزالة العكاز المعتاد للشخص، بل مساعدته على تعلم الاعتماد على نفسه وموارده وعلاقاته مع الآخرين.
لأن التعافي لا يقتصر على العيش بدون مواد مخدرة أو سلوكيات مدمرة، بل يشمل أيضاً العيش بدون الحاجة إليها كوسيلة وحيدة للتعامل مع الذات والعالم المحيط.
---
يوليا أليابيفا أخصائية نفسية سريرية، وتتخصص في علاج الإدمان الكيميائي والسلوكي. تساعد في فهم الآليات النفسية للسلوك الإدماني وأسبابه، وتطوير أساليب جديدة للتعامل مع الضغوط النفسية وتحديات الحياة.
صفحة عالم النفس: https://restarta.one/ru/therapists/юлия-алябьева